مجتمع

الألعاب الإلكترونية في العطلة.. ترفيه أم إدمان؟

مع حلول العطلة الصيفية وتراجع الالتزامات الدراسية، يجد كثير من الأطفال والمراهقين في الألعاب الإلكترونية وسيلة ممتعة لتمضية أوقات الفراغ، لكن الساعات الطويلة أمام الأجهزة قد تتحول تدريجيا إلى سلوك مفرط يؤثر في النوم والنشاط البدني والدراسة والعلاقات الأسرية. وبينما لا تعني ممارسة الألعاب الإلكترونية بالضرورة وجود مشكلة، فإن فقدان السيطرة عليها وتحولها إلى أولوية على حساب بقية جوانب الحياة يستدعي انتباه الأسرة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطراب الألعاب الإلكترونية “Gaming disorder” حالة صحية معترف بها ضمن التصنيف الدولي للأمراض، لكنه لا ينطبق على كل شخص يمارس الألعاب بكثرة، وإنما يرتبط بنمط مستمر أو متكرر من اللعب يؤدي إلى فقدان السيطرة وإعطاء الألعاب أولوية متزايدة على حساب الأنشطة الأخرى، مع استمرار السلوك رغم عواقبه السلبية.

متى تكون الألعاب مجرد ترفيه؟

يمكن أن تكون الألعاب الإلكترونية وسيلة للترفيه والاسترخاء والتواصل الاجتماعي، خاصة عندما يكون استخدامها متوازنا مع النوم والدراسة والنشاط البدني والحياة الأسرية.

وتكمن المشكلة أساسا عندما يبدأ الطفل في قضاء معظم يومه أمام الشاشة، ويهمل أنشطته المعتادة أو يرفض التوقف عن اللعب حتى عندما يحين وقت النوم أو تناول الطعام أو الخروج مع الأسرة.

لذلك، فإن عدد الساعات وحده لا يكفي للحكم على وجود إدمان، بل يجب الانتباه إلى تأثير الألعاب في حياة الطفل وسلوكه اليومي.

كيف يمكن أن تتحول الألعاب إلى مشكلة؟

خلال العطلة، قد يبدأ الطفل بزيادة مدة اللعب تدريجيا بسبب توفر وقت فراغ أكبر. وقد يتحول اللعب من ساعة أو ساعتين إلى عدة ساعات يوميا، خصوصا إذا لم تكن هناك أنشطة بديلة أو قواعد واضحة داخل المنزل.

وتصبح المسألة أكثر إثارة للقلق عندما يفقد الطفل القدرة على التحكم في مدة اللعب، أو يصبح اللعب أهم من النوم والوجبات والدراسة والأنشطة الاجتماعية، أو يستمر في اللعب رغم ظهور مشكلات واضحة في حياته اليومية.

علامات تستدعي انتباه الآباء

يمكن للأسرة مراقبة مجموعة من العلامات التي قد تشير إلى أن استخدام الألعاب أصبح مفرطا، من بينها:

التوتر أو الغضب الشديد عند منعه من اللعب، الكذب بشأن مدة اللعب، السهر لساعات طويلة، إهمال النظافة أو الوجبات، التراجع في النشاط البدني، الانسحاب من الأنشطة العائلية، وتراجع الأداء الدراسي أو الاجتماعي.

كما ينبغي الانتباه إلى الطفل الذي لم يعد يستمتع بالأنشطة التي كان يحبها سابقا، وأصبح اهتمامه الأساسي منصبا على الألعاب الإلكترونية.

وجود واحدة من هذه العلامات لا يعني بالضرورة أن الطفل يعاني من اضطراب الألعاب الإلكترونية، لكن اجتماع عدة علامات واستمرارها وتأثيرها في حياته اليومية يستدعي التعامل معها بجدية.

النوم.. أول ما يتأثر

يعد النوم من أهم الجوانب التي يجب مراقبتها خلال العطلة الصيفية. فقد يؤدي اللعب حتى ساعات متأخرة من الليل إلى تغيير مواعيد النوم والاستيقاظ، ما يجعل الطفل يحصل على ساعات نوم أقل أو يصبح نومه غير منتظم.

وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بوضع قواعد عائلية لاستخدام الوسائط الرقمية، بما في ذلك تجنب استخدام الأجهزة قبل النوم، وإبعاد الأجهزة عن غرف النوم أثناء الليل، لأن تنظيم استخدام الشاشات يساعد على حماية وقت النوم والراحة.

الحركة مهمة أيضا

يمكن أن يؤدي قضاء ساعات طويلة في اللعب إلى تقليل الوقت الذي يخصصه الطفل للنشاط البدني واللعب في الهواء الطلق.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يحصل الأطفال والمراهقون على قدر كاف من النشاط البدني، مع تقليل الوقت الخامل، لأن الحركة المنتظمة ترتبط بفوائد مهمة للصحة البدنية والنفسية.

ولهذا يمكن للعائلة استغلال العطلة لتشجيع الأطفال على ممارسة كرة القدم، والسباحة، وركوب الدراجة، والمشي، وغيرها من الأنشطة التي تمنحهم بديلا ممتعا عن الجلوس الطويل أمام الشاشة.

لا تجعلوا المنع الحل الوحيد

قد يكون منع الألعاب بشكل مفاجئ سببا في زيادة التوتر والصراع داخل المنزل، خصوصا إذا كان الطفل معتادا على اللعب لساعات طويلة.

والأفضل هو وضع قواعد واضحة ومعلنة مسبقا، مثل تحديد أوقات اللعب، وربطها بالوجبات والنوم والأنشطة اليومية، مع الاتفاق على موعد التوقف قبل بدء اللعبة.

كما يمكن استخدام أدوات الرقابة الأبوية الموجودة في الهواتف وأجهزة الألعاب للمساعدة على تنظيم الوقت، مع ضرورة أن تكون جزءا من خطة أسرية وليست الوسيلة الوحيدة للسيطرة على الاستخدام.

اختاروا الألعاب المناسبة

لا يتعلق الأمر بمدة اللعب فقط، بل يجب على الآباء أيضا معرفة نوع الألعاب التي يمارسها أطفالهم، وما إذا كانت مناسبة لأعمارهم.

كما ينبغي الانتباه إلى الألعاب التي تحتوي على محادثات صوتية أو نصية مع أشخاص مجهولين، أو عمليات شراء داخل اللعبة، أو محتوى غير مناسب للأطفال.

ومن المفيد أن يسأل الوالدان الطفل عن اللعبة التي يحبها، وأن يشاركه اللعب أحيانا، لأن الاهتمام بما يفعله الطفل على الإنترنت يساعد على بناء الثقة والحوار بدلا من الاكتفاء بالمراقبة والمنع.

ماذا نفعل خلال العطلة؟

يمكن تحويل العطلة إلى فرصة لإعادة تنظيم علاقة الطفل بالألعاب الإلكترونية من خلال وضع جدول يومي متوازن، يضم وقتا للنوم، والوجبات، والرياضة، والخروج، والقراءة، والأنشطة العائلية، إلى جانب فترة محددة للألعاب.

والأهم ألا تكون اللعبة هي الحل الوحيد عندما يشعر الطفل بالملل؛ إذ يمكن تشجيعه على اكتشاف هوايات جديدة والمشاركة في أنشطة جماعية وزيارات عائلية ورحلات قصيرة.

متى يحتاج الطفل إلى مساعدة مختص؟

إذا أصبح الطفل غير قادر على التحكم في اللعب، واستمر ذلك لفترة طويلة، وبدأ يؤثر بوضوح في نومه أو دراسته أو علاقاته الاجتماعية أو صحته النفسية، فمن الأفضل استشارة طبيب أطفال أو مختص في الصحة النفسية لتقييم الوضع.

فالهدف ليس حرمان الطفل من التكنولوجيا، وإنما التأكد من أن الألعاب تظل جزءا من حياته وليست بديلا عن حياته.

ترفيه يحتاج إلى توازن

الألعاب الإلكترونية ليست عدوا للأطفال، كما أن اللعب لساعات طويلة لا يعني تلقائيا الإصابة بالإدمان. لكن العطلة الصيفية قد تكون فرصة مناسبة للأهل لمراجعة عادات استخدام الأجهزة ووضع حدود صحية ومتوازنة.

فكلما حصل الطفل على نوم كاف، وحركة يومية، ووقت مع أسرته وأصدقائه، وأنشطة متنوعة، أصبح من الأسهل أن تبقى الألعاب الإلكترونية وسيلة للترفيه بدلا من أن تتحول إلى سلوك يسيطر على يومه.

زر الذهاب إلى الأعلى